الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
184
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
الوجه الثالث : أنّ الأصل في الأشياء في غير الضروريات الحظر ، فإن ورد من الشرع دليل على جوازه فهو ، وإلّا فيبقى على ممنوعيّته . توضيح ذلك : أنّ مسألة الحظر أو الإباحة في الأشياء مسألة تلاحظ بلحاظ ما كان قبل ورود الشرع المقدّس أو مع قطع النظر عنه ، خلافاً لأصالة البراءة والاحتياط اللتين تلاحظان بلحاظ ما بعد الشرع . وحينئذ نقول : إذا راجعنا إلى العقل وأحكامه بالنسبة إلى ما كان قبل الشرع نجد أنّ الأفعال على ثلاثة أقسام فبعضها من المستقلّات العقليّة يرجع حكمها إلى الحسن والقبح العقليين ، وبعضها الآخر يكون من الضروريات كالتنفّس وسدّ الرمق ، وقسم ثالث كشمّ الرياحين وأكل الفواكه وغيرهما من الرفاهيات ما لم تصبح أمراً ضرورياً ، ففي هذا القسم اختلف القائلون بالحظر مع القائلين بالإباحة . مسألة الحظر والإباحة وقبل ذكر الأدلّة لابدّ من بيان الفرق بين أصالة الحظر وأصالة الاحتياط ، أو الفرق بين أصالة الإباحة وأصالة البراءة وهو يتلخّص في أمور : الأوّل : ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الحظر أو الإباحة تلحظ بلحاظ ما قبل الشرع أو مع قطع النظر عن الشرع ، والاحتياط أو البراءة تلحظ بالنسبة إلى ما بعد الشرع . الثاني : أنّ الحكم في الأوّل واقعي ، فمفاد أصالة الحظر أو الإباحة أنّ الشيء الفلاني ممنوع أو مباح واقعاً ، بينما الحكم في الثاني ظاهري ، فيترتّب العقاب على ترك الاحتياط مثلًا في صورة الإصابة إلى الواقع لا مطلقاً . الثالث : أنّ التحريم أو الترخيص بناءً على أصالة الحظر أو الإباحة تحريم أو ترخيص مالكي يحكم به الشارع بما أنّه مالك ، بينما يكون التحريم أو الترخيص بناءً على أصالة الاحتياط أو الإباحة تحريماً أو ترخيصاً مولوياً يحكم به الشارع بما أنّه مقنّن ومشرّع وبما أنّه مولى .